السيمياء والعرب
كتبهاghabra ، في 1 تموز 2009 الساعة: 16:40 م
السيمياء
Sémiologie
Semiology
هي علم الدلالات والإشارات التي تعد من أهم العلوم الإنسانية واتي تدرس العلامة اللغوية والغير اللغوية في الوسط الاجتماعي .كلمة سمة تأتي بمعنى علامة ودليل فالسيمياء هي علم السمات التي تبحث دور العلامات في النص أو الحديث على مختلف مضمونه وكذلك يفسر الحركات والأسماء والأشكال والإشارات الخارجة عن اللغة في محيطها الاجتماعي وسياقها الضمني
صحيح أن فرديناند دو سوسير هو المؤسس لهذا العلم بمعنى أنه أول من قعد القواعد والنظريات إلا أن الحضارة العربية قد عرفت هذا العلم ومارسه العرب في حياتهم فلا يخلو كلام الأوائل من الصحابة والتابعين من إشارات لفظية واضحة تعبر عن مضامين معنوية يتعارف بها متحدثو اللغة الواحدة
من أهم الأبحاث السيميائية الرائدة كتاب البيان والتبيين للجاحظ حيث هدف منه الكاتب الفهم والإفهام عن طريق العلامات ودلالاتها في القول والفعل وقد صنف الجاحظ هذه الإشارات في خمسة أشياء: { وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ ثم الإشارة، ثم العَقْد ثم الخط ثم الحال التي تسمى نِصْبةً } فالإشارة تكون باليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب والعَقْد الحساب، وهو دون اللفظ والخط ويكون بأصابع اليد ويسمى حساب اليد أما النَّصْبة فهي الحال الناطقة بغير لفظ، والمشيرة بغير يد من أمثلتها في نطق الجماد بدلالة الحال، قول الفضل بن عيسى بن أبان: ((سَلِ الأرضَ فَقُلْ: مَنْ شقَّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبكَ حواراً، أجابتك اعتباراً)).
وتكلم ابن قتيبة أيضاً من الذين تحدثوا عن الوسائل غير اللفظية كالاستدلال بالعين وحركاتها حيث بتفسيراته محتجاً ببيت الأعرابي:
إِنْ كَاتَمُونَا القِلَى نَمَّتْ عُيُونُهُم
والعَيْنُ تُظْهِرُ مَا فِي القَلْبِ أو تَصِفُ
ولا يخفى على عاقل ما نسميه لغة العيون أو كلام العيون وأكثر ما نذكر ذلك في قصص الحب والعشاق وهنا تبرز الدراسة الرائعة لعلامات الحب التي قدمها لنا ابن حزم الأندلسي في كتابه " طوق الحمامة في الألفة والألاف " فمن علاماتها التي سجلها ابن عبد ربه:
ولِلحُبِّ آياتٌ إِذَا هِيَ صَرَّحَتْ
تَبَدَّتْ عَلاَمَاتٌ لَهَا غُرَرٌ صُفْرٌ
فَبَاطِنُهُ سُقْمٌ وظَاهِرُهُ جَوَى
وَأَوَّلُهُ ذِكْرُ وآخِرُهُ فِكْرُ
وتضج كتب الشعر والتراث العربي بأمثلة وشواهد عن علامات الحب أو علامات المرض أو الجنون وما شابه ذلك ومن ذلك ما ذكره ابن القيم في باب {في علامات المحبة وشواهدها}، يستدل بها عليها، منها: إدمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه، وإغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرْفِهِ نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحياؤه منه وعظمته في صدره، ومها أيضاً كثرة ذِكْر المحبوب واللهج بذكره وحديثه، والانقياد لأمر المحبوب وإيثارُهُ على مراد المحب، وقلة صبر المحبّ عن المحبوب، والإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كلِّه إليه
وما أتى به يعتبر سبراً لأغوار النفس البشرية وتحليلاً دقيقاً لما تعتريها وذلك هو عمل المحللين النفسيين اليوم من تفسير الكلمات والحركات والإيماءات ضمن سياقها الدلالي من علامات مباشرة وغير مباشرة.
واتسعت البحوث العربية في هذا المجال فكشفت عن الشخصية من خلال الزلة واللحن في القول معرفة الكذب وأمارات النفاق وعلامات الخوف من إشارات الوجه والجوارح وقد أثبت القرآن هذا الكلام في قوله تعالى : { فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ } وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال: { إن من البيان لسحرا } وقد فسر القرطبي هذا الحديث بقوله : { فالرجل يكون عليه الحق وهو ألْحَنُ بالحجج من صاحب الحق فيَسْحَر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللِّسانة ما لم يخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب }
وقد أسهم العديد من العلماء في إغناء هذا العلم واصطلاح تعابيره كالدلالة والدال والمدلول واللفظ والإشارة وغيرها كما ينقلها لنا ابن سينا الذي اهتم كطبيب وكلغوي بالأصوات ودلالاتها :{وأما دلالة ما في النفس على الأمور فدلالة طبيعية لا تختلف، لا الدال ولا المدلول عليه، كما في الدلالة بين اللفظ والأثر النفساني، فإن المدلول عليه وإن كان غير مختلف، فإن الدال مختلف؛ ولا كما في الدلالة التي بين اللفظ والكتابة، فإن الدال والمدلول عليه جميعاً قد يختلفان}
وقد اعتبر سوسير اللغة جزء من السيميائية التي ألحقها بعلم النفس الإجتماعي وتطورت الأبحاث السيميائية وخصوصا التطبيقية منها في كل المجالات فظهرت الدراسات في النص الصحفي والإعلامي والإعلاني الدعائي كما في الحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد أن كان محصوراً في مجالات لغوية وأدبية بحتة.
لي عودة إن شاء الله مع بحث سيميائي تطبيقي على نص قرآني وما يحمله من معانٍ دلالية عظيمة في ضوء علم السيمياء الحديثة.
لكم تحية عميقة الدلالات حتى لقاء قريب
مع حبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منوعات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































