وإن تك حسنة ً
كتبهاghabra ، في 3 أيار 2009 الساعة: 11:48 ص
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا
{{ النساء 40 }}
عندما يواجه الإنسان أزمةً ما أو تعترضه عقبة أو مشكلة في حياته يفكر أنه قد وقع عليه من الظلم وقد ينسب هذا الظلم بدون تفكير واعٍ إلى حضرة الله رب العالمين ليتبين له بعد حين أن هذا التصور غير صحيح وفيه من سوء الظن بالله واليأس والتخاذل الكثير فالله سبحانه وتعالى هو الرحمة الكاملة والعدل المطلق والعدل اسم من أسماءه جل في علاه .
إن ما نمر به من ظروف وأحوال في هذه الحياة الدنيا هي أحداث كتبها الله علينا وقدر مكتوب وأمرنا بالتسليم لقضاء الله والتوكل عليه والأخذ بأسباب القرب منه والحساب يوم القيامة على ما قلناه وعملناه على نياتنا ومتوقف على رحمة الله وعدله وإن الله لا يضيع أجر عامل ٍ منكم ولا يظلم مثقال ذرة فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره
من فضل الله علينا أنه رحيمٌ بنا ويعرف ضعفنا فيأمر الملائكة أن تسجل لنا السيئة كما هي بينما يربي لنا الحسنات عنده بعشر أمثالها ويكافئنا عليها في الدنيا والآخرة.
إن في هذه الآية من الوجوه والمعاني العظيمة ما نستحق الوقوف عنده فكلام الله عز وجل كامل مليء بالرسائل والحكم العظات وما أكثراللمسات البيانية والنحوية والإعجازية في كتاب الله وما أجمل النصائح التربوية والأخلاقية التي تحويها آيات الكتاب العزيز, تعالوا معاً نتلمس هذه المعاني ونتأمل في كلام الله خالق الأكوان كيف يخاطب عباده.
من أول ما أحسست به وأنا أقرا هذه الآية الشعور بالعبودية وذلك من ورود كلمة { أجراً} التي أشعرتني أنني عبد ذليل وأجير ضعيف عند سيد عظيم وقمة الحرية هي في العبودية لله فأحسست بكرم عظيم أن الله نسبني إليه بالعبودية والآية تدل على معطٍ كريم وسيدٍ عظيم فما أسعدك وأنت تعرف أنه الله خالق كل شيء إنه الله العظيم الذي يعطي بدون مقابل وتأتي صفة { عظيم } لتزيد من مهابة الله وجلاله وتعطي للمعنى حساً جميلاً فلله ملك السموات والأرض فملكه كبير وعطاءه جزيل.
لما أراد الله تعالى أن يعلمنا عن عدله لم يخبرنا في هذه الآية أنه عادل بل نفى عنه صفة الظلم لينفي الخوف من قلوب الناس وقد قال في آية أخرى : { وما ربك بظلامٍ للعبيد} ولا يخفى على أحد في هذا السياق القرآني الساحر أن يتلمس جانب الحب والرحمة والشفقة من الله عز وجل تجاه عبده وكأنه يقول له : اعمل يا ابن آدم ولو حسنة فقط وانظر إلى كرمي وعطفي ورحمتي فيك فالله لا يريد منا إلى أن نخطو نحوه خطوة كما قال في الحديث القدسي : { إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة }
من جانب الإعجاز العلمي أتوقف عند كلمتي { مثقال ذرةٍ }, تخيلت لو أنني أقرأ هذه الآية على عالم فيزياء توقعت أنه سيصعق عندما يسمع أن كتاباً أنزل على محمد النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه قد ذكر كلمة ذرة وأحاط بمعناها وكنهها ويضيف إلى دقة المعنى كلمة مثقال ولكني تلمست خلف هذا الكلام ايضاً أن الله سيحاسبنا على كل شيء صغيره وكبيره دقيقه وعظيمه وقد ورد ذلك أيضاً في آياتٍ أخرى حيث قال : { لا تظلمون فتيلاً } و { لا يظلمون نقيراً } والفتيل هو الخيط الذي في نواة التمرة والنقير نقطة سوداء في أعلى نواة التمرة فتصور الإعجاز اللفظي والدقة المتناهية في كلمات القرآن.
فهذه الآية تذكرك بغيرها من الآيات التي تدل على الرحمة والعدل والإحسان من الله لعباده { إن الله غفور ٌ رحيم } ولكنه أيضاً { شديد العقاب } فالإنسان في حاله مع الله بين الخوف والرجاء بين الحب والخشية والله مطلع عليك يا ابن آدم { ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد }
من الجانب النحوي عندما تقرأ كلمة { وإن تك } ينتابني إحساس أن الله يخاطبني فيقول : { لو لم يكن عندك يا عبدي إلا حسنة واحدة سأضاعفها لك وأدخلك بها الجنة } ما أجمله من إحساس وما أكرمه من خالقٍ عظيم.
فعل { يؤت } يدل على كرم رب العالمين فلم يقل يعطي أو يمنح أو يمن على عباده كما في بعض الآيات بل قال يؤت كقوله { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً }
معلمٌ لغوي ٌ آخر في الآية هو استخدام تقديم الفاعل وحذف المفعول وتأخير المفعول الثاني فالله هو الذي يؤت والذي يأخذ هم العباد ولكنهم حذفوا من الجملة لتفيض الآية بذكر الله وعطاءه { يؤت من لدنه أجراً عظيماً } وتقدم ذكرالله بذكر لَدُنيته التي تعتبر وجها بلاغياً آخر في اللغة العربية فنحن نترجم خطأً ترجمةً حرفيةً عن بعض اللغات الأجنبية فنقول مثلاً { أكلت التفاحة من قبل زيد } والبلاغة تقتضي أن يظل الفاعل مجهولاً إلا في القرآن الكريم نجد هذه الصيغة البديعة { من لدنه} نسبة إلى الله عز وجل كوجه بياني يقتضيه السياق فنحن نتكلم هنا عن فاعل عظيم ألا وهو الله سبحانه فليس العطاء من عبدٍ لعبد بل من سيد الأكوان إلى عباده الفقراء إليه.
هذه بعض اللطائف واللمسات والتأملات التي تلمستها في رحاب هذه الآية العظيمة نسأل الله أن يحققنا بفضلها ويرزقنا حسن التدبر والتفكر بآياته إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين
موعدنا قريب ٌمع آية أخرى لنعيش مع كلام الله فعلى بركة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم حسام الغبره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تأملات في آية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































